الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
337
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى لأن المهم هو اختلاف أحوال الساعين ويلازمهم السعي فإيقاعهم في التفصيل بحسب مساعيهم يساوي إيقاع المساعي في التفصيل ، وهذا تفنن من أفانين الكلام الفصيح يحصل منه معنيان كقول النابغة : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل أي على مخافة وعل . ومنه قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلخ في سورة البقرة [ 177 ] . وقوله تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 19 ] الآية ، أي كإيمان من آمن باللّه . وانحصر تفصيل « شتى » في فريقين : فريق ميسّر لليسرى وفريق ميسّر للعسرى ، لأن الحالين هما المهم في مقام الحث على الخير ، والتحذير من الشر ، ويندرج فيهما مختلف الأعمال كقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ في سورة الزلزلة [ 6 - 8 ] . ويجوز أن يجعل تفصيل « شتى » هم من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى ، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى وذلك عدد يصح أن يكون بيانا لشتّى . و مَنْ في قوله : مَنْ أَعْطى إلخ وقوله : مَنْ بَخِلَ إلخ يعم كل من يفعل الإعطاء ويتقي ويصدّق بالحسنى . وروي أن هذا نزل بسبب أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأعتقه لينجيه من تعذيب أمية بن خلف ، ومن المفسرين من يذكر أبا سفيان بن حرب عوض أمية بن خلف ، وهم وهم . وقيل : نزلت في قضية أبي الدحداح مع رجل منافق ستأتي . وهذا الأخير متقض أن السورة مدنية وسبب النزول لا يخصص العموم . وحذف مفعول أَعْطى لأن فعل الإعطاء إذا أريد به إعطاء المال بدون عوض ، ينزّل منزلة اللازم لاشتهار استعماله في إعطاء المال ( ولذلك يسمى المال الموهوب عطاء ) ، والمقصود إعطاء الزكاة . وكذلك حذف مفعول اتَّقى لأنه يعلم أن المقدّر اتّقى اللّه . وهذه الخلال الثلاث من خلال الإيمان ، فالمعنى : فأما من كان من المؤمنين كما